الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
74
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والفترة : انقطاع عمل ما . وحرف ( من ) في قوله : مِنَ الرُّسُلِ للابتداء ، أي فترة من الزمن ابتداؤها مدّة وجود الرسل ، أي أيام إرسال الرسل . والمجيء مستعار لأمر الرسول بتبليغ الدّين ، فكما سمّي الرسول رسولا سمّى تبليغه مجيئا تشبيها بمجيء المرسل من أحد إلى آخر . والمراد بالرسل رسل أهل الكتاب المتعاقبين من عهد موسى إلى المسيح ، أو أريد المسيح خاصّة . والفترة بين البعثة وبين رفع المسيح ، كانت نحو خمسمائة وثمانين سنة . وأمّا غير أهل الكتاب فقد جاءتهم رسل مثل خالد بن سنان وحنظلة بن صفوان . و أَنْ تَقُولُوا تعليل لقوله : قَدْ جاءَكُمْ لبيان بعض الحكم من بعثة الرسول ، وهي قطع معذرة أهل الكتاب عند مؤاخذتهم في الآخرة ، أو تقريعهم في الدّنيا على ما غيّروا من شرائعهم ، لئلّا يكون من معاذيرهم أنّهم اعتادوا تعاقب الرسل إرشادهم وتجديد الدّيانة ، فلعلّهم أن يعتذروا بأنّهم لمّا مضت عليهم فترة بدون إرسال رسول لم يتّجه عليهم ملام فيما أهملوا من شرعهم وأنّهم لو جاءهم رسول لاهتدوا . فالمعنى أن تقولوا : ما جاءنا رسول في الفترة بعد موسى أو بعد عيسى . وليس المراد أن يقولوا : ما جاءنا رسول إلينا أصلا ، فإنّهم لا يدّعون ذلك ، وكيف وقد جاءهم موسى وعيسى . فكان قوله : أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ تعليلا لمجيء الرسول صلى اللّه عليه وسلّم إليهم ، ومتعلّقا بفعل ما جاءَنا . ووجب تقدير لام التّعليل قبل ( أن ) وهو تقدير يقتضيه المعنى . ومثل هذا التقدير كثير في حذف حرف الجرّ قبل ( أن ) حذفا مطّردا ، والمقام يعيّن الحرف المحذوف ؛ فالمحذوف هنا حرف اللام . ويشكل معنى الآية بأنّ علّة إرسال الرسول إليهم هي انتفاء أن يقولوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ لا إثباته كما هو واضح ، فلما ذا لم يقل : أن لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذر ، وقد جاء في القرآن نظائر لهذه الآية ، وفي شعر العرب كقول عمرو بن كلثوم : فعجّلنا القرى أن تشتمونا أراد أن لا تشتمونا . فاختلف النحويون في تقدير ما به يتقوّم المعنى في الآيات وغيرها : فذهب البصريون إلى تقدير اسم يناسب أن يكون مفعولا لأجله لفعل جاءَكُمْ ، وقدّروه : ( كراهية أن تقولوا ) ، وعليه درج صاحب « الكشّاف » ومتابعوه من جمهور المفسّرين ؛ وذهب الكوفيون إلى تقدير حرف نفي محذوف بعد ( أن ) ، والتقدير : أن لا